مركز الثقافة والمعارف القرآنية

488

علوم القرآن عند المفسرين

المصطلح على تسميته حدّ الإعجاز ، فلقد كان منتهى التنافس عند العرب بمقدار التفوق في البلاغة والفصاحة ، وقد وصف أئمة البلاغة والأدب هذين الأمرين بما دوّن له علما المعاني والبيان ، وتصدّوا في خلال ذلك للموازنة بين ما ورد في القرآن من ضروب البلاغة وبين أبلغ ما حفظ عن العرب من ذلك مما عدّ في أقصى درجاتها . وقد تصدى أمثال أبي بكر الباقلاني وأبي هلال العسكري وعبد القاهر والسّكّاكى وابن الأثير ، إلى الموازنة بين ما ورد في القرآن وبين ما ورد في بليغ كلام العرب من بعض فنون البلاغة بما فيه مقنع للمتأمل ، ومثل للمتمثّل . وليس من حظ الواصف إعجاز القرآن وصفا إجماليا كصنعنا هاهنا أن يصف هذه الجهة وصفا مفصلا لكثرة أفانينها ، فحسبنا أن نحيل في تحصيل كلياتها وقواعدها على الكتب المجعولة لذلك مثل دلائل الإعجاز ، وأسرار البلاغة ، والقسم الثالث فما بعده من المفتاح ، ونحو ذلك ، وأن نحيل في تفاصيلها الواصفة لإعجاز آي القرآن على التفاسير المؤلّفة في ذلك وعمدتها كتاب الكشاف للعلامة الزمخشري ، وما سنستنبطه ونبتكره في تفسيرنا هذا إن شاء اللّه ، غير أني ذاكر هنا أصولا لنواحي إعجازه من هذه الجهة وبخاصة ما لم يذكره الأئمة أو أجملوا في ذكره . وحسبنا هنا الدليل الاجمالي ، وهو أن اللّه تعالى تحدى بلغاءهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يتعرض واحد إلى معارضته ، اعترافا بالحق وربئا بأنفسهم عن التعريض بالنفس إلى الافتضاح ، مع أنهم أهل القدرة في أفانين الكلام نظما ونثرا ، وترغيبا وزجرا ، قد خصّوا من بين الأمم بقوة الذهن وشدة الحافظة وفصاحة اللسان وتبيان المعاني ، فلا يستصعب عليهم سابق من المعاني ، ولا يجمح بهم عسير من المقامات . قال عياض في الشفاء : « فلم يزل يقرّعهم النبيء صلّى اللّه عليه وسلّم أشدّ التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفّه أحلامهم ويحط أعلامهم ، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته محجمون عن مماثلته ، يخادعون أنفسهم بالتكذيب والإغراء بالافتراء ، وقولهم : إن هذا إلا سحر يؤثر - وسحر مستمرّ - وإفك افتراه - وأساطير الأولين . وقد قال تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا « 1 » ، فما فعلوا ولا قدروا ، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 24 .